ابن عجيبة

392

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قلت : ( أن تقبل ) : بدل من ضمير ( منعهم ) ، أو على حذف الجار ، و ( إلا أنهم كفروا ) : فاعل ، أي : وما منع قبول نفقاتهم ، أو من قبول نفقاتهم ، إلا كفرهم بالله وبرسوله ، ويحتمل أن يكون الفاعل ضميرا يعود على اللّه تعالى و ( أنهم ) مفعول من أجله . يقول الحق جل جلاله : وَما مَنَعَهُمْ ؛ وما منع المنافقين من قبول نفقاتهم وأعمالهم إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ ؛ إلا كفرهم بالله وبرسوله ، أو : ما منعهم اللّه من قبول نفقاتهم إلا لأجل كفرهم بالله وبرسوله ، وكونهم لا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى ؛ متثاقلين ، وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ أي : لا يعطون المال إلا في حال كراهيتهم للإعطاء ؛ لأنهم لا يرجون ثوابا ولا يخافون بتركها عقابا ، فهم يعطون ذلك رياء ونفاقا . الإشارة : لا يتقبل اللّه إلا عمل المخلصين ، إما إخلاص العوام ؛ لقصد الثواب وخوف العقاب ، أو إخلاص الخواص ؛ لإظهار العبودية وإجلال الربوبية ، وعلامة الإخلاص : وجود النشاط والخفة حال المباشرة للعمل ، أو قبلها ، والغيبة عنه بعد الوقوع ، واللّه تعالى أعلم . ثم نهى عن الاغترار بحال المنافقين ، فقال : [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 55 ] فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ ( 55 ) يقول الحق جل جلاله : فَلا تُعْجِبْكَ ، أيها الناظر إلى المنافقين ، كثرة أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ ؛ فإن ذلك استدراج ووبال لهم إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ؛ بسبب ما يكابدون في جمعها وحفظها من المتاعب ، وما يرون فيها من الأمراض والمصائب ، أو ما ألزموا به من أداء زكاتها ، مع كونهم لا يرجون خلفها وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ ؛ فلا يستوفون التمتع بها في الدنيا ؛ لقصر مدتها ، ولا يجدون ثواب ما أعطوا منها ؛ لعدم إيمانهم . وأصل الزهوق : الخروج بصعوبة ، لصعوبة خروج أرواحهم ، والعياذ بالله . الإشارة : ينبغي لمريد الآخرة ألا يستحسن شيئا من الدنيا ، التي هي مدرجة الاغترار ، بل ينبغي له أن ينظر إليها وإلى أهلها بعين الغض والاحتقار ، حتى ترتفع همته إلى دار القرار ، وينبغي لمريد الحق - تعالى - ألا يحقر